أخر تحديث : الخميس 18 مايو 2017 - 9:42 مساءً

منبر رأي : حِراك الرّيف صَيْحَة لا مناصَ من فهمِها والاستجَابة لها

بتاريخ 18 مايو, 2017 - بقلم ناظور50.كوم
منبر رأي : حِراك الرّيف صَيْحَة لا مناصَ من فهمِها والاستجَابة لها

د. محمّد محمّد الخطّابي

منذ انطلاق هذا “الحِراك” المسالِم بعد مقتل شهيد لقمة الخبز اليوميّة الشّريفة، بائع السّمك المرحوم محسن فكري، وأصواتُه تتزايد، ومطالبُه تتعالى، واحتجاجاتُه تتفاقم، ووتيرتُه تحتدّ، وتتصاعد بدون انقطاع، حتى بلغت أصداؤه مختلفَ أصقاع، وبقاع، وأرجاء، وأنحاء، وضواحي، ونواحي، وأرباض البلاد، وخارجها، وأصبح أو كاد أن يصبح الشّغل الشاغل للبلاد والعِباد في مختلف المناطق، والعشائر، والمداشر، والمدن، والدوائر، والقرىَ والضّيع، والحواضر، القريبة منها أو الواقعة في أطراف المعمورة الدانيّة قُرباً، والنائية بِعاداً.

 هذه بعض الانطباعات العفوية العابرة من وحي الخاطر حول ما باتت تعرفه هذه المنطقة من غليان، وهيجان، واحتقان.. الذي أطلِق عليه اصطلاحاً  “حِراكاً ” وهو ليس عِرَاكاً، ولا شِرَاكاً كما يتوهّم البعض ممّن لا يتجاوز نظرُهم أرنبة أنوفهم.

منذ نعومة أظفارنا، وغضاضة إهابنا، وطراوة أعوادنا، وشرخ شبابنا، وريعان عمرنا أدركنا أنه في هذا البلد الأمين الذي قيّض الله لنا أن نرى فيه نورَالحياة، في الرّيف الوريف، في هذا الصّقع النائيّ البعيد ذي التضاريس الطبيعية الوعرة، والأخاديد الجبلية الصّعبة، حيث عشناعلى الفطرة، وترعرعنا على البداوة والبساطة، وعلى عشق الحياة الحرّة الكريمة. في ربوعنا، وأحيائنا، وأرباضنا، ومرابعنا ومرابضنا، وقرانا، ومداشرنا، وضِيَعِنا كنّا ندقّ أبوابَ الحريّة الحمراء دقّاً عنيفاً حتى تتضرّج بألوانها الزّاهية القانية، ولا نرضى أبداً بها أو لها انصياعاً، ولا إذعاناً، ولا بديلاً، تماشياً وامتداداً لأوتادَ الشّهامة، والنخوة. والكرامة التي دقّها أجدادنا الميامين. كان حسنُ الجوار دأبنا، وكان الذّود عن حوضنا، وجيراننا  ديدننا، كان عدم الرّضى بالظّلم، ولا بالضّيم، والجّفوة والجفاء غاياتنا، ومرامينا، شيمنا وهِمَمُنا، كانت مبادؤنا وسجايانا، وعاداتنا العريقة، وتقاليدنا الحميدة، وعوائدنا الرّاسخة التي تربّينا على منوالها، ونشأنا في كنفها… كلّ تلك الخصال، والشمائل كانت نبراس دربنا فى مسالك  حياتنا، كانت معايشاتنا فيما بيننا، وبين جيراننا الأبعدين منهم والأقربين عفويّة، وتلقائيّة، وطبيعيّة، وفطريّة، وكانت حياتنا بسيطة لا تصنّعَ، ولا مِراءَ ولامصانعة، ولامحاباة ولامداهنة فيها.

  في هذا الصّقع الجميل كنّا نعيش أحراراً مثل طيور القطا .. ننتقل من حقلٍ إلى حقل، ومن بستانٍ إلى بستان، ومن غصنٍ إلى غصن، ومن زهرةٍ إلى زهرة، نستنشق هواءَه العليل، ونتغذّى بخيراته، ونِعَمه وثماره، وحبوبه، وقطوفه، وحصاده، وبكلّ ما طاب واستطاب ممّا كانت تجود به علينا أرضُه الطيّبة، وطبيعتُه السخيّة المِعطاء، كنّا نستمتع بحرّه وقرّه، وببحره وسمائه، وشمسه وقمره، وجباله وغاباته، وحواضره وآجامه،و هضابه وآكامه، ووديانه وأنهاره، وسهوبه ومرتفعاته ووهاده، لم يكن يأتينا منه إلاّ الخير العميم، وكلّ ما يُرضي النفسَ، ويُسعد القلبَ، ويُنعش الرّوحَ ويُحيي الوجدانَ، ويَشدّ الكيان.

تُرى َ.. هل أصاب صرحَ الصّدق، والنبل، والوفاء، والشرف، والكرامة شرخ ٌعميق. فلم تعد الأمور كما كانت عليه بالأمس القريب، هؤلاء الأقصوْن الأبعدُون، ذوو السِّحَن الغريبة، والشعور الناعمة المنسدلة من جيراننا في الضفّة المقابلة الأخرى من البحر المتوسّط، كانوا يقومون بين الفينة والأخرى بغاراتٍ قرصنيةٍ على أراضينا وشطآننا، ودُورنا ومُمتلكاتنا، ومَزارعنا، ومَحاصدنا، وغَللنا، لم نكن نتوان أو نتردّد قيد أنملة في دحرهم، وصدّهم، وردّهم على أعقابهم من حيث جاؤوا، كانوا يأتوننا كالأسود، ثمّ سرعان ما يفرّون ويعودون مخذولين منكفئين كالأرانب، يَجرّون أذيالَ الخيبة، والمهانة، والهزيمة والمذلّة من حيث قَدِموا، من داخل البرّ القريبّ، أو من وراء البّحرالبعيد، حتى أضحى التنائي بيننا وبينهم بديلاً عن تدانينا، وناب عن طيب لقيانا بهم تجافينا.. ! لقد أمسى الألم يعصرنا، والمعاناة تهدّنا، والحنقُ يخنقنا، نتنفّس الصّعداء، ونرفع أنظارنا إلى السّماء، ونجول بأبصارنا في فضاءاتها الواسعة المترامية الأطراف، ونحدّق في سديمها السّرمدي الأبدي الفسيح، وبقدَرٍ مُشْعَلٍ على شفاهنا نرجوها أمراً في قرارة أنفسنا، ونستعطفها سرّاً في أعمق أعاميق أعماقنا، نرجوها بلسماً شافياً، وترياقاً مُداوياً لجروحٍ غائرةٍ لا تندمل..! نعاتبُ الأيّامَ المدلهمّات، ونلوم الليالي الحالكات التي لا تُؤمَنُ بوَائقُها، عسىَ هذا الأمر الذي أمسينا فيه.. يكون بعده فرَجٌ قريب، ولعلّ الله يأتي بعد هذا الليل البهيم بصبحٍ مُشرقٍ باسم، ما برحنا نشكو الدّهرَ القاهر، ونناغي الزّمنَ الغادر..!

أجل.. ما أكثرهم.. هؤلاء الأقربون، الذين ولّوهم الكلام ، والرّتب العالية، من ذوي الأصهار والأنصار.. أنصار العصر، أنصار صناديق الاقتراع، والمُحاباة، ألم يقل صاحب “مائة سنة من العزلة” غابرييل غارسيا مركيز متهكّما ساخراً ذات مرّةٍ لأصدقائه بعد أن صفّقوا له طويلاً.. طويلاً، قال لهم: ليتَ تصفيقاتكم هذه كانت أصواتاً في صناديق الاقتراع..! المال أضحىَ رديفَ المداهنة والمصانعة في زمننا هذا الرّديئ، الشّاحب، المُثقل بالهموم والرّزايا، وليس للمعوزين، الكادحين المحرومين، العسيفين. هؤلاء الأبعدُون الذين يَعضّون على الحديد الصّلب، أو على الحجر الصّلد عضّاً مؤلماً حنقاً، وغيضاً.

سجّلها ذات يوم المؤرّخ البريطاني “رُومْ لاَنْدُو” في تاريخه الموجز حول المغرب الحديث، قال عن هذا الصّقع البعيد عند مروره بحيّهم ومرابضهم: “لقد لاحظتُ الأنفةَ والكبرياءَ، وعزّةَ النفس في مشيتهم الثابتة.. وفي همّتهم العالية، وفي خطواتهم الواثقة، يمشون صبباً في اعتدَادٍ واعتدَال” ..

الأماجد منهم قدّموا أرواحَهم دفاعاً عن حوزة الوطن وحوْضه، أعطوا النّفسَ والنّفيس ذوداً عن عزّته، وصوناً لكرامته، سالتْ دماؤهم الزكية، وروتْ كلَّ ركنٍ من أركانه، أبناؤهم وأحفادهم  يُعانون البعاد والتباعد، والإقصاء والتنابذ، والتهميش والجحود، بينهم وبين الآخرين برزخ واسع، ويمّ شاسع، وبحر عميق لا قعرَ، ولا قرارَ له.

القويّ السّمين يزداد قوّة وسمنة واعتدالاَ، والضعيف الهزيل يزداد ضعفاً وَوَهناً وهزالاً، مثلما كان عليه الحال في جاهليّة الزّمن الغابر مع المدعوّ “هَبنّقة” الذي كان يُضرب به المثل في الحُمق، والخَبل، والجنون فيُقال “أحمق من هبنّقة”، الذي قيل في حقّه، إنّه من حمقه عندما كان يعمل راعياً للبقر عند أحد الميسورين من بني عبس، كان يقتاد البقرَ السّمان إلى المراعي الخصبة حيث وفرة الأعشاب، وكثرة الكلأ لترعى، ويأخذ البقر المهازيل إلى الأراضي القاحلة الجرداء من الأرض الكُلام (بضمّ الكاف) ويسرحها هناك، وعندما يأتي صاحبُ البقر ويرى ما رأى.. يستشيط غضباً ويعاتبه ويؤنّبه، فيسأله أنْ لماذا يفعل ذلك…؟ فكان يُجيب: أتريدني أن أصلح ما أفسده الله، أو أن أفسد ما أصلحه؟، فالبقر السّمان تستطيع أن تأكل وهي ذات شهيّة، لهذا أذهب بها حيث وفرة المراعي والكلأ، وأمّا البقر الهزال فلا شهيّة لها، وليس في مقدورها أن تأكل لضعفها ووهنها، ولهذا أذهب بها إلى القِفار القاحلة، والأرض الكُلام الصّلبة التي لا زرعَ ولا ذرعَ ولا كلأ فيها…! وما انفكّت هذه الحِكمة سائرة، قائمة، مأثورةً  عندهم إلى اليوم!

كان هبنّقة من حمقه كذلك كثيراً ما ينسى نفسَه، وللتغلّب على هذه الآفة توصّل إلى حلٍّ ناجعٍ على طريقته حتى يتعرّفَ على نفسِه بسهولة ويسر، ولا ينسى نفسَه مرّة أخرى، فوضع قلادة من قنّبٍ على عنقه، وعلّق فيها عظمةً صغيرة كان قد وجدها فى أحد المهامه، وكان كلّما استيقظ من النّوم  في الصّباح يبحث عن العظمة المعلقة في عنقه، ويلمسها بيده وبها كان يُدرك ويتأكّد أنّه هو، وحدث ذاتَ يومٍ أن نام عند أخيه، فقام أخوه في جنح الليل، ونزعَ عن طوْقه العَظْمة وعلّقها حول عنقه، وفي الصّباح عندما استيقظ هبنّقة ولم يجد العظمة معلّقة عليه ذهب عند أخيه ليسأله، فلمّا رأى العظمة معلقة حول عنقه أمسكَ بها وقال له مشدوهاً: يا أخي… أنتَ أنا، فمن أنا..؟!.

إنهُمْ ما فتئوا ينظرون من الأعالي شزراً، إلى هؤلاء الذين هدّهم العَوَز، وأنهكتهم الخصاصة، يمشون عاصبي البطون مُرملين من فرط حرقة الطّوىَ، الآخرون يناطحون عنانَ السّماء، يعانقون هيادبَ السّحاب، يلامسون الثريّات، (إن كنتَ فيي شرفٍ مرومِ // فلا تقنع بما دون النجوم)، و(إن كنتُ في عدد العبيد فهمّتي //  فوق الثريّا والسِّماكِ الأعزلِ)، وبنو طينتهم، وأبناء جلدتهم ملتصقون بأمّهم الأرض الثّرى، (حَسْبُ الخليليْن نأيُ الأرضِ بينهما // هذا عليها وذاك تحتها بالي)، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، سقطتهم بلا رضوض، وأمّا سقطة “الأعلوْن” فكاسرة قاصمة، إنكم لن تخرقوا الأرضَ، ولن تبلغوا الجبالَ طولا، ففي القمم  الشّمّاء، وفي العلوّ الشّاهق تشتدّ هبوبُ الريّاح، إنها هناك أكثر عتوّاً وقوّة، والزّوابع والتوابع بها لا تني ولا تنتهي، والعواصف هوجاء، فاخفضوا جناحَ الذلّ، وطأطئوا الرؤوسَ، ولا تشرئبّوا بالأعناق… فما أظنّ أديمَ الأرض إلاّ من هذه الأجساد، سيرُوا إن اسطعتمْ في الهواء رويداً… لا اختيالاً على رفات العِباد، فَرُبَّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً، ضاحكٍ لتزاحم الأضداد.. وكلُّ بيتٍ للهدم ما تبتني الورقاءُ والسيّدُ الرّفيعُ العِمَاد! إننا ما فتئنا.. نأسىَ ونتأسّى، ونلتاع حزناً أيّها المُتخمون، ثوبوا إلى رُشدكم، ارجعوا إلى أنفسكم، عودُوا عن غيّكم، فقد بلغ السّيلُ الزّبىَ، وفاض الجَامُ، وطفح الكيلُ، وربَّ عظيمةٍ دافعت عنهم… وقد بلغت نفوسُهم التراقي…!

وفي الختام، ولا ختام… هذه بعضٌ من الهواجس والدواعي التي دفعت بهؤلاء الشباب المتوهّج، والمتوقّد، والمتحمّس للخروج إلى الشّوارع، والأزقة، والميادين والسّاحات العمومية في مدينة الحسيمة وأرباضها منذ ما ينيف على ستّة أشهر ليذكّروا بجملة من المطالب التي غابت عن هذه المنطقة القصيّة من بلدنا الحبيب  المغرب، هذه المنطقة التي لا ينكر أحد أنها عانت الأمرّين، والتي طالما طالها الإهمال، والتهميش، والنسيان، أو التناسي منذ عقود خلت مثل جهات ومناطق أخرى من البلاد.

إننا عندما  نرجع بذاكرتنا إلى هيادب الماضي غير البعيد، وعندما نعود الزّمانَ القهقرىَ تتراءى لنا كيف كانت الحسيمة فيما مضى، وكيف أمست اليوم، كنّا لمّا نزلْ في مقتبل العمر، وكنّا ننبهر كيف كانت شواطئنا، وفي طليعتها شاطئ “كيمادو” الواقع في المنحدر النازل من أعالي المدينة، كان هذا الشاطئ الذي يتميّز برمالٍ ذهبيةٍ كأنّها مسحوق التّبر الخالص دائماً غاصّاً بالسيّاح من كلّ الأجناس، كانوا يشاركوننا في الاستمتاع بشمس هذه المدينة الجميلة المضيافة، كانوا يلاطفوننا، يلهون معنا، ويأخذون لهم صوراً تذكارية لإقامتهم في هذا الثغر الاصطيافي السّاحر، وكانت الفيلّات المُجهّزة للإيجار المنتشرة والمتناثرة بين أخاديد السّفح الجبلي المتصاعد من الشاطئ إلى الدّور السكنية الشاهقة العليا التي تمتد من مقهى (ميرامار) حالياً (سوق الثلاثاء سابقاً) إلى فندق محمد الخامس الشّامخ، كما كان الشاطئ الجميل (كَالاَ بُونيطا) عند مدخل المدينة يغصّ كلّ صيف هو الآخر بالسيّاح المغاربة الذين كانوا يتقاطرون عليه من كلّ فج عميق من مختلف المدن المغربية خاصة تلك التي لا تقع على البحر للإصطياف بنَصْبِ خيامٍ متوسّطة الحجم ،وكانت البقع  الأرضية التي تقام عليها تؤجّر لهم بأثمان مناسبة جدّاً، كانت مطاعم هذا الشاطئ -الذي يُنعت بالجميل لأنه فعلاً كان جميلاً إبّانئذٍ- تعمل بدون انقطاع، مثلما كانت تنتشر في السّاحل الطويل الممتدّ على شاطئ صاباديّا (الكورنيش الحالي) مروراً بحجرة تيمشظين، وإزْضيِ، وشاطئ المدّ، ووراءه كان يختبئ خلف الجبال الشّاهقة شاطئ (تَالاَ يُوسف) الفريد، وكان أجدير يحظى بنصيب الأسد في البنيات السياحيّة التحتية بالمنطقة حيث كان يقع على شطآنه المترامية الأطراف (نادي البحر الأبيض المتوسط) الذي يجاوره شاطئ “الصّفيحة” الجميل قبالة حجرة النكور السّليبة، كان يعتبر من أكبر النوادي الاستجمامية البحرية من هذا النوع، كان يحتوي على ما ينيف على ألف من أكواخ “أجنحة” المصنوعة من القشّ، والقصب، والخيزران المنصوبة بإتقان، وكان هذا النادي يستقبل آلاف السيّاح على امتداد خمسة أشهر من ماي إلى أواخر شتنبر من كل عام. وكانت الطائرات النفاثة العملاقة تحطّ في مطار الشّريف الإدريسي القادمة من مختلف العواصم الأوروبية المعروفة على امتداد الأسبوع. ناهيك عن شاطئ “قوس قزح” (كالا إيريس) الذي كان يومّه كذلك  كلّ صيف العديد من السيّاح المغاربة والأجانب على حدٍّ سواء في جوّ اصطيافيّ بديع.

 والخلاصة الشباب الذين ينزلون للتظاهر لم يقوموا قطّ  بأيّ أعمال عنيفة تخريبية، كما أنهم لم يُدعُوا قطّ لأيّ انفصال والعياذ بالله، فهم يعلمون حقّ العِلم أنّ الوطن الغالي يجمعنا، وهو مصدر قوّتنا، وعزّنا من وجدة إلى طنجة، ومن مدينة مُلتقى البحريْن إلى الكويرة في صحرائنا المغربية المُسترجعة العائدة إلى حُضن الوطن الأب، وهم يدركون جيّداً عن قناعة ثابتة لا تتزحزح أنّ ما كان لله دام واتّصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل.. وقد أجمع العديد من المراقبين المغاربة  على هذه البديهيّات، وما فتئت الكلمات البليغة التي فاه بها في هذا القبيل الإعلاميّ المتميّز السيد أشرف الطريبق (من أسرة تحرير جريدة “هسبريس” الزّاهرة) خلال لقاء أجرته معه مؤخراً فرانس 24 (عربي) ترنّ في آذاننا وتشنّف مسامعنا إلى الآن، على الدولة، والأحزاب السياسية الممثّلة فيها تحمّل مسؤولياتها حيال هذه الأحداث التي ينبغي الإنصات والإصغاء لها، ولا مناصَ من فهمها، واستيعابها، والاستجابة لمطالبها، وإيجاد الحلول العاجلة والناجعة ليس لحراك الحسيمة وما جاورها فحسب، بل لكافة المناطق الأخرى التي عرفت أو تعرف تهميشاً مشابهاً لها لأسباب متعدّدة، ولا جَرَمَ من الاستجابة لمختلف مطالب السّاكنة في هذه المناطق جميعها بالحوار البنّاء، وترجيح العقل، والحِكمة، والحِلم، والسّكينة، والتفاهم، والتقارب، والتداني، واحترام تطلعاتهم، ورأب همومهم، وجبر مشاغلهم وتوفير الثقة لديهم، ولدى مختلف المؤسّسات، والعمل على اجتثاث شأفة وآفة البطالة المتفشّية بينهم، وتوفير فرص مناصب الشّغل بهذه الجهات لمختلف شرائح الشباب، فمدينة الحسيمة -على سبيل المثال وليس الحصر- لا يوجد بها اليوم معمل أو مصنع واحد، في حين كانت توجد بها فيما مضى غير قليل من المعامل، أذكر منها مصانع التصبير وتعليب الأسماك المحليّة الشّهيرة التي كانت توزَّع في العالم أجمع، والتي رأيتها أوائل التسعينيات تُبَاع في المكسيك خلال عملي بها، وفي مختلف أسواق بلدان أمريكا اللاتينية.

الأمل الكبير .. كلّ الأمل معقود إن شاء الله تعالى على المشاريع التنموية الكبرى التي دشّنها ممنوناً جلالة الملك فى إطار برنامج “الحسيمة منارة المتوسّط” للتنمية المجالية لإقليم الحسيمة (2015- 2019)، حيث يقوم هذا المخطط التنموي الضّخم على خمسة محاور أساسية، هي التأهيل الترابي، والنهوض بالمجال الاجتماعي والصحّي، وحماية البيئة وتدبير المخاطر، وتقوية البنيات التحتية، وتأهيل المجالين الثقافي والديني، وسواها من المشاريع التنمويّة الضرورية الأخرى الطموحة التي تنتظر التنفيذ الفعلي والعملي لها في هذه المنطقة وفي سائر مناطق وربوع البلاد فى أقرب الآجال.

*كاتب من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوطا- كولومبيا .

– See more at: http://lakome2.com/point-de-vue/27006.html#sthash.LeWxM1yS.dpuf

تعليقات القراء
عدد التعليقات 0